السيد محمد تقي المدرسي
466
من هدى القرآن
ريح أو ظل أو نوم ، وأنشدوا ] « 1 » : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفيء أوقات العشي تذوق [ 25 ] إنما يتواصل لهم شراب يغلي وماء نتن « إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً » الحميم : الماء الحار . أما الغساق فهو ماء نتن ، وقيل : صديد أهل النار وقيحهم . [ 26 ] أترى هل ظلمهم ربهم حين أوقعهم في النار ؟ كلا . . لقد ظلموا أنفسهم . أوليس قد واتر عليهم رسله ؟ إن هذا جزاء أعمالهم ، ونهاية مسيرتهم « جَزَاءً وِفَاقاً » أي جزاء موافقا لأعمالهم بلا زيادة أو تغيير . [ 27 ] لماذا انتهى بهم المطاف إلى هذه العاقبة السوأى ؟ لأنهم لم يتوقعوا الحساب فأفرطوا في السيئات ، كما المجرم حين لا يفكر في العدالة يتوغل في اقتراف الموبقات « إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً » . [ 28 ] وإذا أنذرهم الرسل والدعاة بالحساب وإذا جاءتهم آيات النشور تترى ، كذَّبوا به وبآياته « وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً » . [ 29 ] بلى ؛ كان الحساب قائما ، وكانت أعمالهم وأنفاسهم ولحظات حياتهم وهواجس نياتهم كل أولئك كانت محسوبة عليهم « وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً » فلم يغادر كتاب ربنا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . [ 30 ] واليوم جاء يوم الجزاء بعد الإحصاء الشامل « فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً » إنها النهاية المريعة ، ومعرفة الإنسان في الدنيا بهذه الحقيقة : أن عذاب جهنم يزداد كما أن نعيم الجنة في اضطراد ، هذه المعرفة تجعل هذه الزيادة حكيمة وعادلة لأن الإنسان باختياره الحر بلغ هذه العاقبة . حقًّا إن تصور هذه الحقيقة يجعلنا أكثر حذرا من جهنم وأشد شوقا إلى الجنة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله : هَذِهِ الآيةُ أَشَدُّ مَا في القُرآنِ عَلَى أَهْلِ النَّارِ ] « 2 » . [ 31 ] بإزاء ذلك نجد المتقين الذين تحذروا موجبات النار في الدنيا ، وتجنبوا السيئات التي تدخلهم جهنم ، نجدهم بعيدين عنها بعدهم عنها في الدنيا « إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً » وأعظم فوز لهم نجاتهم من نار جهنم . أَوَلا ترى قول الله سبحانه : « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ » [ آل عمران : 185 ] ؟ .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 180 . ( 2 ) عن تفسير الكشاف : ج 4 ، ص 690 .